أحمد بن محمد القسطلاني
273
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فلما وليت ) حال كوني ( منصرفًا فإذا الغلام ) فاجأني ( يدعوني قال : أذن لك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي في الدخول ( فدخلت عليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فإذا هو مضطجع على رمال حصير ) بكسر الراء والإضافة ما رمل أي نسج من حصير وغيره ( ليس بينه ) عليه الصلاة والسلام ( وبينه ) أي الحصير ( فراش قد أثر الرمال بجنبه ) الشريف وهو ( متكيء على وسادة من أدم ) بفتحتين جلد مدبوغ ( حشوها ليف فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم : طلقت ) أي أطلقت ( نساءك ) ؟ فهمزة الاستفهام مقدّرة ( فرفع ) عليه الصلاة والسلام ( بصره ) الشريف ( إليّ فقال ) : ( لا ثم قلت وأنا قائم أستانس ) أي أتبصر هل يعود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الرضا أو هل أقول قولاً أطيب به قلبه وأسكن غضبه ( يا رسول الله لو رأيتني ) بفتح التاء ( وكنا معشر قريش ) بسكون العين ( نغلب النساء فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم فذكره ) أي السابق من القصة ( فتبسم النبي ) ولغير أبي ذر وكريمة فتبسم رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قلت : لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت : لا يغرّنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب ) بالرفع فيهما لأبي ذر ولغيره أوضأ وأحب بنصبهما خبر كان ومعطوفًا عليه ( إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يريد عائشة فتبسم ) عليه الصلاة والسلام ( أخرى ، فجلست حين رأيته تبسم ثم رفعت بصري ) أي نظرت ( في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة ) بفتح الهمزة والهاء جمع إهاب الجلد قبل أن يدبغ أو مطلقًا ، ولأبي ذر عن الكشميهني : ثلاث بغير هاء ( فقلت : ادع الله ) ليوسع ( فليوسع على أمتك ) فالفاء عطف على محذوف فكرر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدعاء للتأكيد قاله الكرماني ( فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله وكان ) عليه الصلاة والسلام ( متكئًا ) فجلس ( فقال : أو في شك أنت يا ابن الخطاب ) بفتح الهمزة والواو للإنكار التوبيخي أي أأنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا ( أولئك ) فارس والروم ( قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت يا رسول الله استغفر لي ) أي عن جراءتي بهذا القول في حضرتك أو عن اعتقادي من التجملات المدنيوية مرغوب فيها قال عمر - رضي الله عنه - . ( فاعتزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ) وهو أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اكتمى عليّ وقد حومت مارية على نفسي " فأفشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لا يقربها شهرًا وهو معنى قوله ( وكان قد قال ) عليه الصلاة والسلام : ( ما أنا بداخل عليهن ) أي نسائه ( شهرًا من شدة موجدته ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم وفتحها في الفرع كأصله مصدر ميمي أي غضبه ( عليهن حين عاتبه الله ) وللكشميهني حتى عاتبه الله أي بقوله تعالى : { يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك } [ التحريم : 1 ] . والذي في الصحيحين أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخًا عليها فلتقل له أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير فقال : " لا ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا " فقد اختل في الذي حرمه على نفسه وعوتب على تحريمه كما اختلف في سبب حلفه ، والأول رواه جماعة يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في تفسير سورة التحريم . وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال : دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت : يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك فحلف لها لا يقربها وقال : " هي حرام " فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا . ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين وفيه أن حفصة أهديت لها عكة فيها عسل